عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

784

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وبيان الحصر الَّذِي ذكره الشيخ - رحمه الله - في هذه الآيات أن قوله : { إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } ( 1 ) فيه الحصر من الطرفين ، فإنَّه اقتضى أن إنذاره مختص بمن اتبع الذكر ، وخشي الرحمن بالغيب ، فإن هذا هو المختص بقبول الإنذار والانتفاع به ، فلذلك نفي الإنذار عن غيره ، والقرآن مملوء بأن الإنذار إِنَّمَا هو للقائل له خاصة ، ويتقضي أنَّه لا يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب إلا من أنذره ، أي : من قِبَل إنذاره ، وانتفع به ، فإن اتباع الذكر وخشية الرحمن بالغيب مختصة بمن قبل الإنذار ، كما يختص قبول الإنذار والانتفاع به بأهل الخشية واتباع الذكر . وكذلك قوله : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } ( 2 ) . وقوله : { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا } ( 3 ) . فإن انحصار الإنذار في أهل الخشية والإنذار ، كانحصار أهل الخشية في أهل الإنذار والذين خروا سجدًا في أهل الإيمان ، ونحو ذلك ، فكذلك قوله : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ( 4 ) . وقد فسرها السَّلف بذلك أيضاً كما سنذكره إن شاء الله تعالى ونذكر شواهده . وهاهنا نكتة حسنة : وهي أن قول تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ( 4 ) قد علم أنَّه يقتضي ثبوت الخشية للعلماء ، لكن هل يقتضي ثبوتها لجنس العُلَمَاء ، كما يقال : إِنَّمَا يحج المسلمون أو لا يحج إلا مسلم ، فيقتضي ثبوت الجح لجنس المسلمين لا لكل فرد منهم ؟ ويقتضي ثبوت الخشية لكل واحد من العُلَمَاء ؟ هذا الثاني هو الصحيح ، وتقريره من جهتين :

--> ( 1 ) يس : 11 . ( 2 ) النازعات : 45 . ( 3 ) السجدة : 15 . ( 4 ) فاطر : 28 .